«دور ترجمة الوثائق والمخطوطات في تحقيق المثاقفة» للأستاذ الدكتور محمد بن أحمد البركاتي

النص التفصيلي للجلسة الحوارية

  • المضيف (أ. زيد بن عبد الله معدي): «بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أما بعد، الإخوة والأخوات حضورنا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نرحب بكم في ثالث جلساتنا الحوارية المتخصصة في الوثائق والتاريخ الشفهي، والتي تأتيكم بعنوان «دور ترجمة الوثائق والمخطوطات في تحقيق المثاقفة»، والتي تنظمها جمعية التراث والوثائق وبدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة عبر برنامج مديد. جلسة نبحر بها في الثقافة والترجمة والوثائق برؤية علمية يشرفنا بها سعادة الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد البركاتي، أستاذ اللغويات المقارنة بجامعة الملك عبد العزيز. حياكم الله يا دكتور، شرفتنا اليوم».
  • د. محمد البركاتي: «الشرف لي، الله يسلمك».
  • المضيف: «وسلامة الأسفار، ونورت عنيزة».
  • د. محمد البركاتي: «يسلمك الله، يطول عمرك يا أخوي، الله يسلمك. يا أهلاً وسهلاً».

:pushpin: المحور الأول: كيف تسهم ترجمة الوثائق في بناء المعرفة الإنسانية؟

  • المضيف: «دكتور لعلنا نبدأ في البداية؛ لا شك أن للترجمة دوراً كبيراً في نقل المعارف بين الشعوب والأمم وتصدير الثقافة المحلية إلى العالمية إن صح التعبير، ودعني أيضاً أشير إلى إسهامها في الثراء المعرفي ونقل الثقافات بين الشعوب. وسؤالي في البداية: كيف أسهمت ترجمة الوثائق والمخطوطات التاريخية في بناء المعرفة الإنسانية ونقلها بين الحضارات المختلفة؟».
  • د. محمد البركاتي: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم. أسعد الله مساءكم جميعاً بكل خير. حقيقة الفرصة الطيبة والسعيدة، والشكر الجزيل للقائمين على هذه الجمعية، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في جهودهم. اليوم أنا بحضرة عمالقة كبار، والواحد والله أحياناً يستصغر علمه أمام هذه القامات، ولكن سنحاول أن نغطي شيئاً من المحاور التي تحدثنا فيها بخصوص موضوع الترجمة. وموضوع الترجمة موضوع بيني؛ ممكن أن نتحدث في مجال الطب مع الترجمة، ونتحدث في مجال التاريخ مع الترجمة، ونتحدث في مجال الهندسة والترجمة. وأجد بعض الزملاء الكرام هنا مختصين في مجالات متعددة (التوطين، الترجمة السمع بصرية)، وكل منهم لديه ما يستطيع قوله في مجاله.

في مجال ترجمة الوثائق تتجاذبنا أمور تخص الترجمة وأمور تخص التاريخ. الترجمة أولاً في أصلها - لكي نحرر المصطلحات قبل كل شيء - هي نقل المعاني؛ ننقل معنى مخطوطة من لغة لا يستطيع القارئ أن يفهمها إلى قارئ جديد مهتم (باحث، طالب، أو مهتم بالتاريخ)، فنحن ننقل المعاني لا الألفاظ. ولكن في حقيقة الأمر، لا يمكن لأي إنسان إذا سمع عبارة ولم يقيدها ونقلها لآخر إلا ويحدث تغيير في الألفاظ، وتغيير الألفاظ هذا قد ينطوي عليه تغيير في المعاني، وهنا تبدأ المشكلة في مسألة ترجمة الوثائق والمخطوطات».

  • د. محمد البركاتي (متابعاً): «وتظل الترجمة هي السبيل الوحيد للتعرف على الآخر والحضارات والثقافات والأحداث التاريخية؛ لأن التاريخ مليء بالعبر والدروس المفيدة التي يستفاد منها لأن الزمن يكرر نفسه. وفي أقسام التاريخ والشريعة يحققون المخطوطات؛ وتحقيق المخطوطة يعني الوقوف على العبارات والأسماء والآيات والأحاديث دون التدخل في محتوى المخطوط، والمترجم يتقاطع مع المحقق في إيصال المستند للقارئ الجديد. ولكن قد يحدث إشكال أو تدخل من المترجم (Input)، ويرجع ذلك أحياناً لأيديولوجية المترجم. وفي السياقات القانونية مثلاً، إذا غير المترجم نبرة النص أو عباراته القاذعة إلى عبارات ملطفة (كما في ترجمة الأفلام)، فهذا يصل إلى خيانة النص». [^1]

:bridge_at_night: المحور الثاني: الترجمة كجسر لحفظ الذاكرة التاريخية والسرد الحضاري

  • المضيف: «دائماً ذكرت بالترجمة وجل المهتمين في هذا المجال الغزير أن الترجمة تندرج تحتها العديد من الأدوات والعديد من طرق النقل. لكن إلى أي مدى يمكن اعتبار الترجمة أداة فاعلة في حفظ الذاكرة التاريخية وتمنع انقطاع السرد الحضاري بين الأمم؟».
  • د. محمد البركاتي: «جميل جداً، أعتقد أن الترجمة هي مثل الجسر الذي يوصل من ضفة إلى ضفة. لو لم تكن هناك ترجمة لما استطعنا أن نعرف عن الآخر، ومعرفتنا عن الآخر يندرج تحتها ثراء حضاري وثقافي. أقرب مثال: حركة الترجمة والتعريب في بغداد في العهدين الأموي والعباسي (بيت الحكمة)، حيث ترجمت كتب علمية ومخطوطات من الفارسية والهندية والصينية والسريانية واللاتينية والإغريقية إلى اللغة العربية. وأزعم أنه لو لم تكن حركة الترجمة هذه في بغداد لما وصلت أوروبا إلى ما هي عليه الآن من التقدم؛ لأن هذه العلوم ترجمت للعربية وحفظت وهاجرت مع الفتوحات إلى الأندلس، ومنها نقلت إلى اللغات الأوروبية المحكية كالإسبانية.

مناهج الترجمة في ذلك الحين كانت «ترجمة شارحة»؛ حيث كان المترجم يتمثل دور المعلم ليعلم القارئ ويضيف شرحاً وتوضيحاً، ولم تكن الترجمة آليّة تحاكم المترجم بمدى خروجه عن النص كما هو الحال اليوم. وكذلك مترجمو الملك عبد العزيز رحمه الله لم يكن دورهم مجرد نقل آلي حاد، بل كانوا بمثابة مستشارين يبدون المشورة والتنوير».

[1]

  • د. محمد البركاتي (متابعاً): «الترجمة هي صانعة المعرفة وناقلتها، والحضارات تتغذى من الاحتكاك بالحضارات الأخرى. والأماكن المعزولة جغرافياً - مثل لغة فيفاء القحطانية القديمة أو لغة الباسك بين إسبانيا وفرنسا - بقيت لغاتها محتفظة بخصائصها بسبب العزلة، لكن العزلة تحرم المجتمع من فوائد التلاقح الثقافي الذي تحققه الترجمة وتكرار التجارب البشرية في الأمثال والحكم».

:performing_arts: المحور الثالث: إشكالية الحياد والأيديولوجيا في نقل النصوص

  • المضيف: «في قضية الترجمة والتاريخ، هل يمكن النظر إلى الترجمة بوصفها إعادة تأويل للتاريخ أكثر من كونها نقلاً حيادياً للنص؟».
  • د. محمد البركاتي: «ممتاز، مسألة الحياد سراب في الترجمة والتاريخ! المؤرخ نفسه حين يعرض الحقيقة التاريخية يتأثر بتحيزاته وكلماته ونبرته، والمترجم كذلك. الأصل في المترجم أن ينقل النص الإيجابي بإيجابيته والنص السلبي بسلبيته دون خداع القارئ. وفي مراجعات الترجمة نستخدم نظام المقارنة المزدوجة (Mirror System) لمقارنة النصين. والمترجم في الوثائق والمخطوطات أقرب إلى دور الشاهد في المحكمة؛ ينبغي له نقل المخطوط بنبرته وحقيقته كما هي».
  • د. محمد البركاتي (متابعاً): «حتى المفسرين (مثل كتاب الكشاف للزمخشري) كان العلماء يستخرجون آرائهم الاعتزالية الفكرية بدقة من الألفاظ. واللفظ له دلالته الأيديولوجية؛ فقول «محمد صلى الله عليه وسلم» يختلف عن «محمد» مجردة. وكذلك كتابات المستشرقين الغربيين الذين أطلقوا على الإسلام مصطلح (Muhammadanism / المحمدية)، فدور المترجم الأمين ألا يطمس هذه الأيديولوجية السلبية بل ينقل اللفظ كما هو ويوثق في الهوامش التوضيح والرد».

:balance_scale: المحور الرابع: المترجم بين الوسيط المعرفي والفاعل الأيديولوجي

  • المضيف: «ما دور المترجم: هل هو وسيط معرفي أم فاعل أيديولوجي؟».
  • د. محمد البركاتي: «المترجم يلعب الدورين معا: فهو وسيط معرفي يسهل وصول النص للمتلقي (Accessibility)، وهو أيضاً فاعل أيديولوجي. وعندنا اتجاهان: التغريب (Foreignization) والتوطين (Domestication). وإذا أضاف المترجم توضيحاً من عنده ينبغي وضعه بين أقواس معقوفة [ ] لتنبيه القارئ، كما يفعل مترجمو معاني القرآن الكريم في مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة. وعلى المترجم أن يوضح أسماء الأماكن والألفاظ التي تغيرت؛ فمثلاً في عنيزة يطلقون لفظ «حائط» (مثل حائط حركان) والمقصود به البستان والمزرعة، وكلمة «بستان» أصلها فارسي معرب».

:magnifying_glass_tilted_left: المحور الخامس: منهجيات نقد الترجمة واكتشاف التلاعب التاريخي

  • المضيف: «ما المنهجيات العلمية والطرق التي تمكن الباحث من اكتشاف التحيز أو الثغرات في النصوص التاريخية المترجمة؟».
  • د. محمد البركاتي: «هناك تخصص علمي يدعى «نقد الترجمة» أو تقييم جودة الترجمة (Translation Quality Assessment). ولا بد أن يتبع المترجم والمقيم منهجاً محدداً وواضحاً. ولتقييم الترجمات، نأخذ عينات عشوائية لنظام المقارنة (Mirror)، وضروري جداً قراءة مقدمة المترجم؛ لأن المترجم الخبير يذكر فيها صعوبات المخطوط والسقط وسياق العمل (وتدعى هذه الطريقة بالتفكير بصوت عالٍ Think Aloud Protocol في علم النفس واللغة)».
  • المضيف: «كيف يؤثر اختلاف السياق الثقافي والسياسي للمترجم على تشكيل السردية التاريخية المنقولة؟».
  • د. محمد البركاتي: «المترجم يأتي محملاً بأفكاره وأيديولوجيته. وقد بينت الباحثة مونا بيكر (Mونا Baker) بجامعة مانشستر أن المترجم فاعل رئيسي في صناعة السرديات والسرديات المضادة (Counter-narratives)، وللمترجم المسلم والعربي دور في الدفاع عن دينه ووطنه وتصحيح السرديات المغلوطة. وحتى برامج الذكاء الاصطناعي أصبحت متمذهبة ولها تحيزاتها. وتوظيف المترجم لأيديولوجيته بنية حسنة لصالح دينه ووطنه مع الإيضاح هو عمل محمود.

ومن أشهر أمثلة التلاعب والتحريف التاريخي في الترجمة:

  1. قرار الأمم المتحدة 242 (عام 1967م): حيث حذفت أداة التعريف (the) من النص الإنجليزي لتصبح (territories occupied / أراضٍ محتلة) بدلاً من (the territories / الأراضي المحتلة) لإضعاف إلزامية الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة.
  2. معاهدة تافنة (عام 1837م) في الجزائر: بين الجنرال الفرنسي والأمير عبد القادر الجزائري، حيث تم التلاعب بالنسخة المترجمة للفرنسية عبر الحذف والإضافة والاستبدال، وضاعت النسخة العربية الأصلية لتبقى النسخة الفرنسية المترجمة المحرفة هي المستند القانوني (وقد نُشرت عنها دراسة بمجلة الدراسات الثقافية واللغوية والفنية عام 2020م)».

:bookmark_tabs: الخاتمة

  • المضيف: «في ختام هذه الأمسية المثرية، نتقدم بالشكر الجزيل لسعادة الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد البركاتي، ولجمعية التراث والوثائق، ولهيئة الأدب والنشر والترجمة، ولبرنامج مديد. كان معكم زيد بن عبد الله معدي، ونلقاكم في جلسات قادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
[^1]: في سياق الجلسة الحوارية حول ترجمة الوثائق والمخطوطات، تشير مصطلح خيانة النص إلى الممارسة غير الأخلاقية أو المهنية التي يقوم فيها المترجم بتغيير نبرة النص الأصلي أو تليين عباراته القاسية أو المسيئة (كالقذف) لتناسب السياق الثقافي للغة الهدف أو ذوق الجمهور، وهو ما يقارنه الدكتور البركاتي بترجمة الأفلام السينمائية. ويُعد هذا التدخل، خاصة في السياقات القانونية أو التاريخية الحساسة، انحرافاً عن الحياد المطلوب من المترجم الذي يجب أن يعمل كـ"شاهد" ينقل الحقيقة والألفاظ كما هي دون طمس للدلالة الأيديولوجية أو الواقعية للنص الأصلي.


^[مصطلح **«ترجمة شارحة»** يشير إلى منهجية ترجمة تاريخية، خاصة في عهد الملك عبد العزيز، حيث كان دور المترجم يتجاوز النقل الحرفي أو الآلي للنص. بدلا من ذلك، اتسمت هذه المنهجية بكون المترجم يعمل كمعلم ومستشار، مضافاً إليه شرحاً وتوضيحاً للإثراء المعرفي للقارئ وتقديم المشورة والتنوير. وعلى عكس الترجمة الحديثة التي قد تحاكم المترجم بناءً على مدى التزامه الحرفي بالنص الأصلي، كانت هذه الطريقة التقليدية تركز على الفهم العميق والخدمة الإعلامية الأوسع بدلاً من الحياد الميكانيكي الصارم.]

  1. الحواشي السفلية ↩︎

  • [1] ترجمة النص

  1. الحواشي السفلية ↩︎